نحو تحديث الاتجاهات المهنية العربية

نهضت ألمانيا من تحت رماد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية بفعل عجلة الانتاج التي دارت باتجاه معاكس لعقارب ساعة اليأس، فخلقت المعجزة التي وضعت أوروبا بأكملها على سكة الحداثة بإنتاج صناعي موثوق الجودة مبني على أسس علمية وجهود عملية ومناهج بحثية تشكلت تدريجياً من تكاتف الأنشطة الفردية وتراكم إنجازات المجتمع الصناعي في بيئته الأولية التي لم تضع الحواجز بين دوائر العمل المختلفة.

وعلى ذات المنوال تقريباً، قدمت الاقتصادات الجديدة نماذجها الريادية في مجال الأعمال من بوابات المشاريع الصغيرة التي احتاجت الى تكاتف دوائر التخطيط والتمويل والتسويق، وأرست قواعد التبادل في المنفعة بين المنتج والمستثمر والمستهلك محلياً وخارجياً لتتحول عملية الانتاج إلى ثقافةٍ وطنيةٍ تميز شعباً عن آخر بمستوى نجاعته في التعاطي معها.

ولا تكاد تجد استثناءً لحتمية تحول النشاط الإنتاجي البسيط الى قواعد صناعية كبرى عندما يقترن بالرؤية الشمولية الثاقبة لبناء الدولة الحديثة، هكذا نهضت اليابان وسنغافورة وماليزيا والبرازيل وتركيا، وهكذا نشأت الكيانات الاقتصادية التي تطورت الى قوى صاعدة ومؤثرة على المستوى العالمي كما هو حال النمور الآسيوية ومجموعة العشرين، وهذا بالضبط ما يحتاجه عالمنا العربي الذي يكتنز بالعقول ويعمر بالمعارف وتنتشر فيه مراكز البحوث ومؤسسات التعليم الأكاديمي والمهني لكنه وبعد عقود من مرحلة التحرر الوطني ما زال عاجزاً عن بناء قواعده الصناعية الحديثة التي لا يمكن تحقيق النهضة الشاملة دون إرساء أساساتها.

فكل المؤشرات تتحدث عن اقتصادات عربية رثة ذات أداء ركيك، تميل موازينها التجارية غالباً نحو كفة الاستيراد الثقيلة مقابل التصدير الهش، وتتقدم فيها ثقافة الاستهلاك على الانتاج وتدفع بمقام التواكل على حساب المبادرة وتعلي من شأن الفساد وسوء الأداء في مواجهة قيم النزاهة والمسؤولية.

ويرقى العمل للخروج من هذا الواقع لأن يكون مسؤولية عربية شاملة تتطلب تكاتف المستويات الحكومية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في بوتقة عمل منظم يجمع المهارات في الطريق الى اكتشاف الفرص وتوفير الحاضنات لها، وهذا بالضبط هو جوهر مفهوم ريادة الأعمال بمقاربتها الحداثية المبنية على الاستفادة من تطور العلوم الإنسانية المختلفة لتحقيق الابتكار والإبداع والربح باعتبارها عناصر العملية الإنتاجيّة.

وفِي هذا الطريق الشاق لتغيير اتجاهات العمل، لا بد من التفكير داخل مثلث الإدراك والمعرفة والفهم، كأساسٍ لبناء نموذج يتوخاه رياديو  الأعمال العرب ينطلق أولاً من إدراك قيمة التغيير ثم المعرفة بواقع السوق واحتياجاته مروراً بفهم قدرات العمل العربية للوصول إلى خط البداية الذي ننطلق منه نحو تحديث فهمنا للاتجاهات المهنية.

ولتحقيق ذلك فإن من المهم أيضاً من أن تتشابك الجهود أولاً نحو تطوير المهنيين العرب، عبر خلق فرص التدريب والتشغيل للحصول على اليد العاملة الماهرة المتقنة والخبيرة على قاعدة أن الاستثمار في القوى البشرية هو أكثر أشكال الاستثمار جدوىً وهو القاعدة التي لا مناص عن انطلاق أي عمل تطويري شمولي منها.

كما أنه من الضروري خلق مظلات عمل جمعيةٍ عابرة للحدود القطرية ينضوي تحت لوائها صغار المنتجين لحمايتهم من تغول الأسواق الكبرى والمؤسسات العملاقة، وكي توفر لهم هامشاً معقولاً من القدرة على المنافسة في الأسواق التي لا تدين إلا للكبار.

إن اتجاهات العمل الحديثة تضع نصب العين أهمية امتلاك القدرة على تسويق الأفكار والمبادرات وتقديمها في أكثر الصور ملاءمةً لتحقيق الإقناع للمولين وأصحاب المصالح من المستثمرين بدرجةٍ لا تقل أهميةً عن القدرة على تسويق المنتجات، ويتطلب هذا بكل تأكيد توفير أدوات التسويق من مساحات العرض ومنصات الإشهار، كما يتطلب قدراتٍ معرفيةً بأصول الترويج وكيفية صياغة المشاريع وإعداد دراسات الجدوى، كما يتطلب قدرةً في التعامل مع وسائل الإعلام والترويج.

يشكل فهم كل تلك المقدمات رؤية كلاسيكية لعالم الأعمال، لكن المزج بينها في نشاطٍ شمولي يحترم تخصصية ويمنحها دورها هو التحدي الحقيقي الماثل أمام المؤسسات الرامية للتطوير والإسهام في تحديث الاتجاهات المهنية في العالم العربي، وهو دور تبقى هوامش التقاطع فيه كبيرةٌ جداً بين القطاعين العام والخاص ومنظمات الأعمال وغيرها من المؤسسات.